فخر الدين الرازي
245
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
من القيمة إما المستقيمة أو القائمة ، وقد ذكرنا هذين القولين في قوله : كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وقال الفراء : هذا من إضافة النعت إلى المنعوت ، كقوله : إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [ الواقعة : 95 ] والهاء للمبالغة كما في قوله : كُتُبٌ قَيِّمَةٌ . المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف إحداها : أن الكمال في كل شيء إنما يحصل إذا حصل الأصل والفرع معا ، فقوم أطنبوا في الأعمال من غير إحكام الأصول ، وهم اليهود والنصارى والمجوس ، فإنهم ربما اتعبوا أنفسهم في الطاعات ، ولكنهم ما حصلوا الدين الحق ، وقوم حصلوا الأصول وأهملوا الفروع ، وهم المرجئة الذين قالوا : لا يضر الذنب مع الإيمان ، واللّه تعالى خطأ الفريقين في هذه الآية ، وبين أنه لا بد من العلم والإخلاص في قوله : مُخْلِصِينَ ومن العمل في قوله : وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ثم قال : وَذلِكَ المجموع كله هو دِينُ الْقَيِّمَةِ أي البينة المستقيمة المعتدلة ، فكمال أن مجموع الأعضاء بدن واحد كذا هذا المجموع دين واحد فقلب دينك الاعتقاد ووجهه الصلاة ولسانه الواصف لحقيقته الزكاة لأن باللسان يظهر قدر فضلك وبالصدقة يظهر قدر دينك ، ثم إن القيم من يقوم بمصالح من يعجز عن إقامة مصالح نفسه فكأنه سبحانه يقول : القائم بتحصيل مصالحك عاجلا وآجلا هو هذا المجموع ، ونظيره قوله تعالى : دِيناً قِيَماً [ الأنعام : 161 ] وقوله في القرآن : قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً [ الكهف : 2 ] لأن القرآن هو القيم بالإرشاد إلى الحق ، ويؤيده قوله عليه السلام : « من كان في عمل اللّه كان اللّه في عمله » و أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « يا دنيا من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه » ، وثانيها : أن المحسنين في أفعالهم هم مثل الحق سبحانه وذلك بالإحسان إلى عبيده والملائكة ، وذلك بأنهم اشتغلوا بالتسبيح لخالقهم فالإحسان من اللّه لا من الملائكة ، والتعظيم والعبودية من الملائكة لا من اللّه ، ثم إن الإنسان إذا حضر عرصة القيامة فيقول اللّه مباهيا بهم : ملائكتي هؤلاء أمثالكم سبحوا وهللوا ، بل في بعض الأفعال أمثالي أحسنوا / وتصدقوا ، ثم إني أكرمكم يا ملائكتي بمجرد ما أتيتم به من العبودية وأنتم تعظموني بمجرد ما فعلت من الإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين ، أقاموا الصلاة أتوا بالعبودية وآتوا الزكاة أتوا بالإحسان ، فأنتم صبرتم على أحد الأمرين وهم صبروا على الأمرين ، فتتعجب الملائكة منهم وينصبون إليهم النظارة ، فلهذا قال : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [ الرعد : 23 ، 24 ] أفلا يكون هذا الدين قيما وثالثها : أن الدين كالنفس فحياة الدين بالمعرفة ثم النفس العالمة بلا قدرة كالزمن العاجز ، والقادرة بلا علم مجنونة فإذا اجتمع العلم والقدرة كانت النفس كاملة فكذا الصلاة للدين كالعلم والزكاة كالقدرة ، فإذا اجتمعتا سمي الدين قيمة ورابعها : وهو فائدة الترتيب أن الحكيم تعالى أمر رسوله أن يدعوهم إلى أسهل شيء ، وهو القول والاعتقاد فقال : مُخْلِصِينَ ثم لما أجابوه زاده ، فسألهم الصلاة التي بعد أدائها تبقى النفس سالمة كما كانت ، ثم لما أجابوه وأراد منهم الصدقة وعلم أنها تشق عليهم قال : « لا زكاة في مال يحول عليه الحول » ثم لما ذكر الكل قال : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ . المسألة الثالثة : احتج من قال : الإيمان عبادة عن مجموع القول والاعتقاد والعمل ، بهذه الآية فقال : مجموع القول والفعل والعمل هو الدين والدين هو الإسلام والإسلام هو الإيمان فإذا مجموع القول والفعل والعمل هو الإيمان ، لأنه تعالى ذكر في هذه الآية مجموع الثلاثة ثم قال : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي وذلك